تحليلات

الاستراتيجية تحسم مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي في بريطانيا

أصبح الذكاء الاصطناعي ضرورة في الرعاية الصحية الحديثة، لتحسين نتائج العلاج، وتخفيف الضغط عن الكوادر، وبناء نظام صحي أقدر على مواجهة تحديات المستقبل. وقد تجاوزنا سؤال ما إذا كان ينبغي اعتماده؛ فالمطلوب الآن هو تطبيقه بسرعة وفاعلية، بما يخدم المرضى والأطباء معاً. ولدى بريطانيا ما يدفعها إلى اغتنام هذه الفرصة، وما يمكّنها من تحقيقها.

بدأ الذكاء الاصطناعي يغيّر الرعاية الصحية فعلياً في أنحاء العالم: وقت أقل للأعمال الإدارية، ومساعدة الأطباء على تشخيص أدق، وربط بيانات المرضى بطرق لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.

وفي الشرق الأوسط، تجاوزت هذه التطبيقات مرحلة الطموح إلى التنفيذ. تعمل الحكومات ومؤسسات الرعاية الخاصة معاً على استخدام الذكاء الاصطناعي لتوقّع المخاطر التي قد يتعرّض لها المرضى، وربط السجلات الصحية بين المناطق، وإيصال الرعاية المتخصّصة إلى أماكن كانت محرومة منها. فقد اختصر الذكاء الاصطناعي وقت بعض التشخيصات إلى النصف في الإمارات، وتستخدم السعودية أدوات تنبؤية لخفض حالات دخول المستشفيات، فيما أدرجت قطر الطب الدقيق ضمن رؤيتها الوطنية للرعاية الصحية.

وراء هذا التقدّم استراتيجية واضحة، إلى جانب التقنية نفسها. حدّدت هذه الدول ما تريده من الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة، واتفقت على أهداف مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وأزالت العقبات غير الضرورية أمام المبتكرين. فأصبح تطبيق الحلول أسرع، وفوائدها للمرضى قابلة للقياس، وأثرها في تخفيف الاحتراق الوظيفي لدى الأطباء ملموساً.

وبريطانيا بدورها تولي الذكاء الاصطناعي اهتماماً كبيراً. فقد تعهّدت الخطة الصحية الحكومية للسنوات الـ10 المقبلة برقمنة الخدمات وتوسيع الابتكار في NHS. لكن وتيرة التقدّم متفاوتة؛ ومن دون عمل منسّق ورؤية طويلة الأجل، قد تتعثّر حتى أكثر المبادرات وعداً قبل أن تُحدث تغييراً حقيقياً.

والرغبة في الابتكار موجودة. فالاستطلاعات تشير إلى أن غالبية كبيرة من موظفي NHS تؤيد استخدام الذكاء الاصطناعي في رعاية المرضى والأعمال الإدارية. لكن تعقيد إجراءات الموافقة، وضعف مشاركة الأطباء في تصميم الأدوات، والتحفّظ في التعامل التنظيمي معها، كلها عوامل تبطئ اعتمادها وتؤخّر تطبيقها.

أعرف هذه العقبات من تجربتنا في Rhazes AI. فقد بنينا حلاً يريح الأطباء من الأعمال الإدارية المتكررة، بعدما أدركت من عملي في NHS مدى إلحاح هذه الحاجة. ومع أن الطلب على الحل كان واضحاً، استغرقت الموافقة عليه ودمجه وقتاً طويلاً، ورافقتها كلفة مرتفعة وإجراءات بيروقراطية. وحين توجّهنا إلى أسواق أخرى، وجدنا تعاوناً أكبر وطريقاً أسرع إلى التطبيق.

ولا يعني هذا أن التأخّر مصير بريطانيا. فهي تملك الكفاءات والبنية التحتية والطموح لتقود العالم في استخدام الذكاء الاصطناعي الصحي. ما تحتاجه هو استراتيجية وطنية واضحة تصل الرؤية بالتنفيذ، وتسرّع الموافقات، وتشرك الأطباء منذ البداية، وتعزّز الثقة بتدريب موجّه ونتائج يلمسها الناس في الواقع.

أصبح الذكاء الاصطناعي ضرورة في الرعاية الصحية الحديثة، لتحسين نتائج العلاج، وتخفيف الضغط عن الكوادر، وبناء نظام صحي أقدر على مواجهة تحديات المستقبل. وقد تجاوزنا سؤال ما إذا كان ينبغي اعتماده؛ فالمطلوب الآن هو تطبيقه بسرعة وفاعلية، بما يخدم المرضى والأطباء معاً. ولدى بريطانيا ما يدفعها إلى اغتنام هذه الفرصة، وما يمكّنها من تحقيقها.